المسؤول هو صورة الدولة في نظر المواطن/ محمد ولد كربالي

ثلاثاء, 07/28/2026 - 12:30

في موريتانيا، وفي عالمنا العربي والإسلامي، وفي محيطنا الإفريقي، لا تُقاس مكانة الدول وشرعيتها بما تحققه من إنجازات وما تقدمه من خدمات فحسب، بل أيضًا بمدى التزام مؤسساتها ومسؤوليها بمنظومة من القيم، في مقدمتها الصدق، والاستقامة، والنزاهة، واحترام المواطن. فهذه القيم تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز شرعية المؤسسات، وتوطيد العلاقة بين القيادة والمواطن. غير أن هذه القيم لا يدركها المواطن في النصوص والقوانين بقدر ما يلمسها في سلوك الإدارة وتعامل المسؤولين معه في حياته اليومية. فأغلب المواطنين لا يتعرفون على الدولة من خلال الدستور، ولا من خلال الخطب الرسمية، وإنما من خلال المسؤول الذي يقصدونه لقضاء مصالحهم. 

 

وفي هذا السياق، أكد فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مؤتمره الصحفي الأخير، أن الفساد المالي والإداري والأخلاقي يمثل خطرًا حقيقيًا على الدولة والتنمية، وأن مكافحته مسؤولية وطنية مشتركة تستوجب مساهمة الجميع، كلٌّ من موقعه، انطلاقًا من قيم المواطنة والالتزام بالواجب وصيانة المصلحة العامة. ويقع على عاتق المسؤول العمومي النصيب الأكبر من هذه المسؤولية، باعتباره القدوة في احترام القانون، وحماية المال العام، وخدمة المواطنين.

 

فالدولة ليست مجرد رئيس أو مؤسسات، بل منظومة متكاملة من القوانين والمؤسسات والموارد البشرية، يقودها رئيس الجمهورية، ويتولى المسؤولون فيها تنفيذ السياسات العمومية وخدمة المواطنين. وهم الواجهة المباشرة للدولة؛ فمن خلال سلوكهم وأدائهم وكفاءتهم ونزاهتهم تتشكل الصورة التي يحملها المواطن عن مؤسساتها، وتتوطد ثقته بها أو تتراجع.

 

وعندما يمارس بعض المسؤولين صلاحياتهم بمنظور إداري ضيق، أو ينشغلون بمظاهر السلطة أكثر من خدمة الناس، أو يسيئون معاملة المواطنين، فإنهم لا يسيئون إلى أنفسهم فحسب، بل إلى الدولة التي يمثلونها. فالمواطن، في الغالب، لا يفصل بين المسؤول والدولة، وإنما يرى في سلوك المسؤول انعكاسًا لنهج الإدارة وأسلوب الحكم، ويحكم على الدولة من خلال أول مسؤول يلتقيه، وأول إدارة يقصدها، وأول خدمة يتلقاها. فقد تبذل الدولة سنوات في بناء الثقة، ثم يهدمها مسؤول واحد في دقائق معدودة داخل مؤسسة عمومية. ومن ثم فإن أي تقصير في احترام المواطن أو خدمته ينعكس مباشرة على صورة الدولة ويضعف الثقة في مؤسساتها.

 

ومن هنا، فإن اختيار المسؤولين وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة ليس مجرد قرار إداري، بل استثمار استراتيجي في مكانة الدولة وثقة المواطنين. غير أن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بالتواضع، وحسن التواصل، والإنصات للمواطن، والاستجابة لاحتياجاته بروح المسؤولية والاحترام. كما أن مكانة المسؤول لا تتحدد بقرار تعيينه، وإنما بقدرته على المحافظة على الثقة من خلال الإنجاز، واحترام القانون، وحسن أداء الواجب، لأن المسؤولية تكليف يقتضي النزاهة ويستوجب المساءلة.

 

وعندما يلتزم المسؤولون بهذه المبادئ، فإنهم يجسدون على أرض الواقع التوجيهات السامية والإرادة الوطنية الرامية إلى تقريب الإدارة من المواطن، وترسيخ إدارة عمومية تقوم على الكفاءة والعدالة والإنصاف، وتعزز الثقة بين القيادة والشعب، وتكرس هيبة الدولة والمصلحة العامة.

 

فاحترام المواطن ليس مجرد واجب وظيفي، بل هو احترام للدولة نفسها. فالمسؤول هو مرآة الدولة في نظر المواطن، ولسانها في الميدان، ووجهها الذي يراه الناس كل يوم. فإذا أحسن أداء واجبه، ارتفعت هيبة الدولة وتعززت الثقة في مؤسساتها وترسخت اللحمة الوطنية. أما إذا أساء استعمال السلطة أو تنكر لحقوق المواطنين، فإنه يسيء إلى صورة الدولة، مهما بلغت جهود القيادة في الإصلاح ومهما كانت السياسات العمومية طموحة.

 

إن نجاح أي مشروع إصلاحي يظل رهينًا بوجود مسؤولين يؤمنون بأن الوظيفة العمومية رسالة قبل أن تكون سلطة، وأن خدمة المواطن واجب وطني قبل أن تكون التزامًا إداريًا. فحين يجسد المسؤول هذه القيم في سلوكه اليومي، ويحارب الفساد، ويصون المال العام، ويحترم كرامة المواطن، فإنه لا يؤدي واجبه الوظيفي فحسب، بل يسهم في بناء دولة القانون والمؤسسات، ويترجم على أرض الواقع رؤية فخامة رئيس الجمهورية في ترسيخ الحكامة الرشيدة وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، باعتبارها الأساس المتين لكل تنمية مستدامة ونهضة وطنية.

 

فالدول لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بأخلاق رجالها ونسائها، وحسن أدائهم، وعدالة قراراتهم، واحترامهم للمواطن، لأنه يظل الغاية الأولى للتنمية، والأساس الذي تُبنى عليه الثقة، وتستقر به الدول، وتزدهر به الأمم. 

 

محمد ولد كربالي 

وجيه وفاعل سياسي

إعلانات

 

إعلان