غزواني _ ماكرون: لحظة لبروكماتية/ بقلم: احمد محمد حماده

خميس, 04/16/2026 - 09:38

ليست كل الزيارات الرسمية سواء. فبعضها يندرج ضمن الروتين البروتوكولي المعتاد، بينما يعكس بعضها الآخر، خلف مظهره العادي، تحولات سياسية أعمق. وتندرج زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس بوضوح ضمن هذا الصنف الثاني. فهي لا تمثل حدثًا عابرًا بقدر ما تجسد لحظة تبلور لإعادة تموضع دبلوماسي محسوب، في سياق دولي وإقليمي يتسم بتعقيد متزايد وتسارع في وتيرة التحولات.

في ظل تداخل الأزمات الجيوسياسية مع التحولات

 

 الاقتصادية العميقة، يبرز التعاون بين موريتانيا وفرنسا كمرآة تعكس التغيرات التي تشهدها العلاقات الدولية المعاصرة. فقد أظهرت المباحثات بين الرئيس الموريتاني ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون إرادة مشتركة لتجاوز الأطر التقليدية، والانتقال بهذه العلاقة إلى مستوى أكثر توازنًا واستراتيجية، مع تركيز أكبر على تحقيق نتائج ملموسة.

 

ولا يمكن اختزال هذه الزيارة في بعدها الثنائي فقط، بل تندرج ضمن مسار أوسع لإعادة معايرة علاقة تاريخية، على ضوء التحولات التي تطال في آنٍ واحد التوازنات الإفريقية والأوروبية. ففي الوقت الذي اختارت فيه بعض الدول الإفريقية نهج القطيعة مع باريس، تبدو موريتانيا وكأنها اختارت مسارًا وسطًا، يقوم على التكيف الاستراتيجي من خلال إعادة تشكيل التوازنات تدريجيًا بدل السعي إلى قلبها بشكل جذري.

 

ويعكس هذا الخيار قراءة واقعية لطبيعة التحولات الراهنة، حيث لم تعد العلاقات الدولية تُبنى على مواقف أيديولوجية أو ردود فعل ظرفية، بل باتت تقوم على شبكات من الاعتماد المتبادل، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية وإعادة تشكيل التحالفات. وفي هذا الإطار، تتبنى نواكشوط مقاربة براغماتية، تسعى إلى الحفاظ على شراكاتها التقليدية، مع توسيع هامش حركتها عبر تنويع مدروس لشركائها.

 

ويعزز توقيت الزيارة هذه القراءة. ففي مرحلة تشهد اهتمامًا أوروبيًا متزايدًا بالبحث عن مصادر بديلة للطاقة، وتنافسًا متصاعدًا لتأمين شركاء موثوقين، تبرز موريتانيا تدريجيًا كفاعل جدير بالثقة. ويُفسر ذلك مستوى الاستقبال الذي حظي به الرئيس في قصر الإليزيه، وكثافة النقاشات التي جرت خلال الزيارة. فبعيدًا عن الطابع البروتوكولي، يعكس هذا الاستقبال اعترافًا سياسيًا واهتمامًا متجددًا بشريك يُنظر إليه باعتباره عنصر استقرار في محيط إقليمي متقلب.

 

وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد الرئيس غزواني على مفهومي «الثقة» و«الاستمرارية» دلالة تحليلية عميقة، إذ يشير إلى تصور دبلوماسي يقوم على الاستقرار وقابلية التنبؤ على المدى الطويل. فالثقة تعني تجاوز منطق ردود الفعل الآنية، بينما تعكس الاستمرارية القدرة على تجاوز التقلبات الظرفية. والرسالة هنا مزدوجة: تعزيز التماسك الاستراتيجي داخليًا، وتقديم صورة خارجية لدبلوماسية متزنة تحرص على الحفاظ على استقلاليتها دون الانغلاق.

 

أما من الجانب الفرنسي، فتبدو المقاربة أكثر عملية، حيث يتم التركيز على التعامل مع تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي، ودعم الاستثمار، وخلق فرص العمل — خاصة لفائدة الشباب — إضافة إلى تطوير مشاريع ملموسة ذات أثر مباشر. ويعكس ذلك تحولًا في المقاربة الفرنسية، التي تسعى إلى تجاوز البعد الأمني التقليدي نحو شراكات اقتصادية وتنموية أكثر توازنًا. وفي هذا السياق، يندرج توصيف موريتانيا كـ«شريك موثوق» ضمن استراتيجية أوسع لإعادة التموضع في منطقة الساحل.

 

وتكمن خصوصية المقاربة الموريتانية في قدرتها على التميز عن منطق القطيعة الذي طبع تجارب أخرى في القارة، دون الانزلاق في المقابل نحو علاقة تبعية. فهي إدارة دقيقة وواقعية للشراكة، تستهدف تعظيم المصالح الوطنية، مع تجنب مواقف القطيعة أو الاصطفاف الحاد. وبهذا، ترسم موريتانيا مسارًا مستقلاً يقوم على تحقيق توازن بين الانفتاح والسيادة.

 

ويُشكل الإدراك بأن التحديات الراهنة «لم تعد محلية بل أصبحت متداخلة على المستوى العالمي» قاعدة تحليلية أساسية لفهم هذا التوجه. فالقضايا الأمنية في الساحل، والهجرة، والتحولات في قطاع الطاقة، كلها تتجاوز الحدود الوطنية، ما يستدعي استجابات منسقة ومتعددة الأبعاد. وفي هذا الإطار، تتجه العلاقة الموريتانية–الفرنسية نحو اكتساب بعد إقليمي، بل ودولي.

 

ويتعزز هذا التوجه من خلال البعد الاقتصادي، خصوصًا عبر تدخلات الوكالة الفرنسية للتنمية، التي تبلغ استثماراتها في موريتانيا مئات الملايين من اليوروهات. غير أن التحدي لا يكمن في حجم التمويلات بقدر ما يتمثل في قدرتها على إحداث أثر هيكلي ومستدام، خاصة في قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه والزراعة، في ظل بروز فرص جديدة مرتبطة بالغاز والطاقات المتجددة.

 

ومن اللافت أن أحد أبرز مؤشرات هذه الزيارة برز خارج الإطار الرسمي، وتحديدًا داخل الجالية الموريتانية في فرنسا، حيث سُجل نوع من التماسك النسبي بين مكونات كانت تعاني من انقسامات واضحة. ويعد غياب الاحتجاجات وتراجع حدة الانقسامات مؤشرًا سياسيًا يستحق التوقف عنده.

 

ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء مقاربة دبلوماسية أوسع، تقوم على بناء الجسور بدل تكريس القطيعة. ويعكس ذلك تبني موريتانيا لأسلوب سياسي يفضل إدارة الخلافات دون تحويلها إلى صراعات مفتوحة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقرار وترسيخ مصداقية الدولة داخليًا وخارجيًا.

 

وعلى المستوى الإقليمي، تأتي هذه الزيارة ضمن سياق تنافسي تسعى فيه الدول إلى تحسين مواقعها وتعزيز حضورها الاستراتيجي. وفي مثل هذا السياق، لا تبقى التحركات الدبلوماسية محصورة في بعدها الثنائي، بل تمتد آثارها لتشمل محيطًا أوسع، عبر إثارة انتباه فاعلين آخرين وإعادة تشكيل حساباتهم. وهو ما يعزز صورة موريتانيا كدولة ذات رؤية واضحة ومسار مستقل داخل فضاء ساحلي يشهد تحولات متسارعة.

 

في المحصلة، تعكس هذه الزيارة ملامح دبلوماسية قائمة على التوازن: لا قطيعة جذرية ولا جمود استراتيجي، بل تكيّف تدريجي مع تحولات النظام الدولي. مقاربة تسعى إلى تعظيم المكاسب وتقليل التكاليف، في عالم تتقلص فيه هوامش الخطأ وتُقاس فيه قيمة الشراكات بمدى فعاليتها ونتائجها.

 

غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل ستتمكن موريتانيا من تحويل هذه اللحظة الدبلوماسية إلى مكاسب ملموسة ودائمة؟ وهل ستنجح في توظيفها كرافعة للتنمية وتعزيز موقعها الاستراتيجي — بما في ذلك علاقتها بجاليتها في الخارج — أم أن تعقيدات البيئة الإقليمية وشدة المنافسة

إعلانات

 

إعلان