أزمة الوقود الحاصلة.. هل هي مسألة نقص في المخزون الوطني أم جشع التجار؟ / اباي ولد اداعة

ثلاثاء, 03/31/2026 - 03:12

تشهد العاصمة انواكشوط من وقت لآخر طوابير طويلة و ضغطا كبيرا علي محطات الوقود مدفوعة بشحن في العرض و مخاوف من نقص الإمداد .

بالتزامن مع إرتفاع عالمي متزايد في أسعار المحروقات بسبب تداعيات الحرب علي ايران ،

و في ظل شبه توقف لمحطات الوقود و امتناع بعضها عن البيع بحجج متباينة

تارة لنفاد المخزون في انتظار وصول الشحنات المقررة أو بسبب تأخر الموردين ،

أو بهدف حبسها لتوقع إرتفاع الأسعار و تحقيق أرباح أعلي لاحقا، 

و هو ما يعد إحتكارا محرما شرعا و ممنوعا قانونا . 

علي الرغم من تأكيدات الحكومة بوجود مخزون إستراتيحي كاف و عدم تسجيل أي نقص ،

بالتزامن مع الإعلان عن وصول ناقلات توريد جديدة لميناء الصداقة انواكشوط محملة بكميات كبيرة من المواد البترولية تم تفريغها في الخزانات لضمان تغطية إحتياجات السوق المحلية ،

مع وجود نواقل أخري تنتظر دورها في التفريغ .

هذا الوضع خلق إحتقانا و إستياءا شعبيا واسعا و حالة من الفوضي العارمة زادت من حدة الطوابير و المشاجرات في محطات الوقود. 

و علي نحو تسبب في ندرة مادة البنزين و المازوت علي حد سواء ،

صحيح قد تمتنع محطات الوقود عن البيع بدواعي أمنية في حالة وجود خطورة ،

أو تلجأ إلي البيع بالحصة ( الكوتا ) بتعليمات من السلطات الإدارية لضرورة ترشيد الإستهلاك ضمن خطة حكومية معلنة في حالة الأزمات الطارئة و الحادة جدا .

لكن هذا ليس هو الحال الآن .

إذ لا يخفي علي أحد أن أزمة إمتناع بيع الوقود للمواطن في مثل هذه الظروف لدليل قاطع علي نفوذ و تحكم التجار في سوق المحروقات و إحتكارهم للوقود و تجاهلهم للقانون ،

قصد تعسير الحياة علي المواطنين و حبس ما يضرهم فقده ،

و لجشعهم في تحقيق أرباح بشكل دائم علي حساب حاجة المواطن ،

أمام التراخي و التمايز في تطبيق القانون .

حيث تشير معظم الدلائل و الشهادات الميدانية في مختلف السياقات ،

إلي أن أزمات الوقود غالبا ما تكون مفتعلة تقف و راءها ممارسات إحتكارية من قبل بعض التجار و أصحاب شركات التوزيع ( الملاك الحقيقيون لمحطات الوقود ) ،

بهدف رفع الأسعار أو الضغط لتحقيق مكاسب مالية ،

ينتج عن هذا الجشع طوابير طويلة و نقص في الإمدادات و تضخم إقتصادي مما يفاقم المعاناة الشعبية .

 أحيانا تثار شبهات حول بعض أصحاب المحطات بتخزين الوقود لبيعه في السوق السوداء بأسعار مرتفعة ،

خاصة في أوقات الإضطرابات الإقتصادية و تفاقم أزمات الطاقة .

هذه الوضعية تستدعي مراقبة صارمة لضمان انتظام التموين و الشفافية في تحديد الأسعار، 

و منع أي إستغلال للموقع المهيمن في سوق المحروقات .

مما دفع وزارة الطاقة و النفط للدخول علي خط الأزمة و إرسال بعثات تفتيش و إغلاق محطات مخالفة بشكل مؤقت كخطوة أولي في انتظار إتخاذ إجراءات ردع أكثر صرامة و تأثير بحق المتلاعبين قد تصل إلي إغلاق المحطات بشكل نهائي و سحب التراخيص. 

إجراء قد يساهم دون تقديم بديل في الظروف الحالية إلي زيادة حدة أزمة الوقود بدل تراجعها من خلال تقليل منافذ البيع المتاحة .

مما يسبب طوابير و وزيادة و ضغط علي المحطات الأخري. 

بحيث إن أستمرت الأزمة علي هذا النحو من المعاناة قد تؤثر بشكل أو بآخر علي أسعار المواد الغذائية و البضائع الأساسية و الخدمات .... .. الخ .

إلي جانب ذلك قامت الأجهزة الأمنية بتكثيف حملاتها بشكل مستمر و علي نطاق واسع ،

من أجل حماية الإقتصاد و دعم المواطنين عبر الحد من إستنزاف الوقود المدعوم و منع بيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة ،

و هو ما أسفر عن ضبط و مصادرة كميات كبيرة من المواد البترولية مجهزة كانت في طريقها للتهريب ،

حيث ستساهم هذه الخطوات في كسر شوكة العصابات المنظمة ،

و الحد من تهريب الوقود و التلاعب بمصالح المواطنين .

و ضمان وصول الموارد لمستحقيها و حفظ الأمن الإستراتيجي. 

من جهة أخري ساهمت الشائعات المتداولة حول إنقطاع الوقود و تراجع الإمدادات في زيادة الهلع و رفع نسبة المبيعات ،

حيث تضاعفت مبيعات محطات الوقود اليومية بشكل غير مسبوق وسط حالة من الهلع و الخوف من نقص الإمدادات، 

مما دفع بعض المواطنين لشراء و تخزين الوقود بشكل مفرط و غير منطقي ،

هذا الإرتفاع المفاجئ في الطلب و ليس نقصا حقيقيا للمادة ،

هو السبب الرئيسي للإزدحام الشديد أمام محطات الوقود. 

في حين يري بعض المراقبين و المحللين أن إتساع دائرة إحتكار الوقود و تفاقم الأزمة مرده هو إستحواذ و سيطرة شركات توزيع المواد البترولية علي معظم محطات البيع بالتجزئة ،

مما مكنها من التحكم في حجم المعروض و منحها قوة سوقية هائلة للسيطرة علي سلاسل الإمداد من الإستيراد إلي البيع النهائي بالمحطات، 

و هو ما يهدد بفرض هيمنة إحتكارية و يسمح بمحاولة التلاعب بالأسعار، 

و يثير شبهات قوية حول قيام شركات التوزيع بإمتناع مدروس أو مقصود عن تزويد المحطات المستقلة بإنتظام لصالح تمكين المحطات التابعة لها ،

و هو ما قد يتسبب في أزمات الإمداد و تشويه صورة السوق و يفتح الباب أمام الشائعات و إثارة المخاوف من نقص المواد البترولية. 

أو إستغلال المخزون الإحتياطي لفرض شروطها و تأزيم السوق ،

و هو ما من شأنه أيضا أن يضيق الفرص علي المستثمرين الصغار و المحليين ،

و يؤدي إلي وأد المناسفة الشريفة و خلق تبعية إقتصادية .

بالتأكيد الإستحواذ علي مثل هذه القطاعات الحيوية يزيد من تمركز الثروة في أيادي قلة ،

و من تفاقم إنعدام المساواة الإجتماعية و الإقتصادية .

كما يساهم في زيادة فجوة الفقر و تآكل الطبقة الوسطي. 

بالطبع النقص يؤسس للأزمة لكن جشع و نفوذ بعض كبار التجار هو من يعمقها و يحولها إلي أزمة مفتعلة .

هذه الهيكلة تمنع بقية صغار الموزعين و أصحاب المحطات المستقلة من المنافسة العادلة .

خاصة أن معظم قدامي الفاعلين في مجال المحروقات من أصحاب المحطات القديمة و المواطنين العاديين أجبروا علي هجر القطاع ،

بعد ما تم تضييق الخناق عليهم و محاصرتهم من طرف ملاك شركات التوزيع الجدد ،

من خلال المماطلة في توفير الوقود لمحطاتهم بشكل منتظم ،

و حجبه في أغلب الأحيان .

مما أدي إلي إفلاس المحطات في نهاية المطاف ،

بعد ما كانت في السابق مراكز حيوية توفر الخدمات الأساسية، 

شكلت وجهة و قبلة ردحا من الزمن لساكنة انواكشوط. 

حيث مازالت هذه المحطات مهجورة و ماثلة للعيان تتميز بتموقع تنافسي رائع و بوجودها الإستراتيجي علي واجهة المحاور الطرقية و عند التقاطعات الرئيسية بالعاصمة ،

و في سياق المطالبة بالحلول العاجلة و العادلة ،

يتطلع المواطنون إلي تدخل حكومي حازم لتنظيم قطاع الطاقة بهدف تحقيق عدالة التوزيع و توفير طاقة مستدامة و بأسعار معقولة ،

مع ضمان شفافية التزود بالوقود و منع الممارسات الإحتكارية ،

خاصة في ظل الأزمات الإقتصادية و تأثيرات أسعار المحروقات المباشر علي معيشة المواطنين .

بحيث تسعي هذه الدعوات الي ضرورة تفعيل دور المؤسسات في الرقابة على الأسواق و تطبيق حوكمة شاملة للحد من نهب الموارد و الفساد في هذا القطاع الحيوي، 

ضمن رؤية حكومية طموحة تسعي لإصلاح اقتصادي شامل يحقق العدالة الإجتماعية.

 

حفظ الله موريتانيا 

   اباي ولد اداعة .

إعلانات

 

إعلان