
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ظلت البلاد الشنقيطية رائدة في مجال نشر العلم والثقافة الإسلامية - رغم البداوة وشظف العيش - منذ وصول الإسلام إليها وفتحها على يد الدولة المرابطية حوالي 431هـ. 1034م إلى وقتنا الحاضر.
حيث حافظت على المنهجية الأكثر مساعدة على ترسيخ المعلومات واستحضارها في أي وقت تلك المنهجية التي تعتمد الحفظ - كأهم مميزات أسلوبها التعليمي- والتي من أدوارها تلقي العلم من أفواه الشيوخ كما كانت عليه الحياة العلمية في فجر الإسلام تلك المنهجية هي الميزة الأبرز التي حظيت بها المحظرة الشنقيطية ونالت بها ما مانالت من الصدارة في المجال المعرفي.
ولقد انتشرت المحاظر في القطر الشنقيطي انتشارا عديم النظير وبلغت أوج ازدهارها، حيث كانت هي المصدر الوحيد والمنهل العذب الفريد الذي تستقى منه المعارف الإسلامية بشتى صنوفها ومن بساتينه تقتطف ثمار الأخلاق بالغة ما يمكن أن تبلغ من نضوجها.
ومن أبرز تلك المحاظر محظرة شيوخنا آل محنض التي سنحاول الكشف عن تاريخها وعن مدى امتدادها من خلال استنطاق المصادر المتوفرة لدينا.
إن محظرة آل محنض عريقة وشهيرة ارتادها الطلاب قديما وحديثا كانت ولا زالت كعبة لطالبي العلم والإرشاد ومحط رحال الوافدين والباحثين لكن لم ندر بالقطع كيف ومتى تأسست لعدم اعتناء من قبلنا بتدوين تاريخه وتخليد أعلامه - ربما تقديما للأهم أو إيثارا للخمول على الظهور - إلا أن المصادر المتوفرة تؤكد وجودها منذ عهد الخراش بن محنض الذي يقول عنه العالم الباحث المؤرخ المختار بن حامد : "وكان الخراش سريع الحفظ مات أبوه صغيرا فدفعه عم أبيه بيجه للمعلم فكان حفظه خارجا عن العادة فرده خوفا من العين فحفظ القرآن ولم يكتبه وأخبر أنه لم يقرأ شيئا عشر مرات ليزداد حفظا وكان يجمع قفين من بيع المختصر ويحفظها بأقل من سبع دورات وكان عالما مدرسا كثير الصمت يميل إلى الانفراد (…) وخلف كثيرا من الكتب بخطه.
ويحدثنا عنه أيضا العالم الفاضل محمد عبد الله بن أحمد (اشطيك) في كتابه تحفة الأخيار في مناقب محمد مختار : أما جده الخراش فعالم جليل مدرس مقبل على شأنه حسن الخط كتب الكتب الكثيرة بيده ولم تزل عندهم ومن شيوخه الفغ الكمليلي والشيخ باب بن حمدي الحاجي وأخذ عنه هو محمد بن أمين الشگاني وغيره توفي صدر القرن 14 هـ
ولقد ورث هذه المحظرة عنه ابنه محمد مختار يقول العالم الأستاذ محنض أحمد بن المستعين في مقدمة الجوهر المحض في مناقب محمد عبد الله بن محنض :
كان أبوه - يقصد بذلك محمد مختار بن الخراش - عالما مدرسا ورث ذلك من أبيه العلامه الكبير الخراش صاحب المحظرة الذي خلف كثيرا من الكتب بخطه وتخرج عليه الكثير من الطلبة.
وقال عنه المختاربن حامد: كان محمد مختار بن الخراش ذا علم وعبادة ونجدة أبيا ذكيا رئيسا رسميا بضع عشرة سنة حسن السيرة والرأي والخط خلف كتبا بخطه.
توفي سنة 1363 هجرية
ولقد ترك محمد مختار هذه المحظرة إرثا نفيسا لابنه العلامة الأورع محمد عبد الله (الداي)
كما كانت محظرة الداي أيضا امتداداً لمحظرة العالم المقرئ اباب بن محمد " برِّ " ابن الامين اعل حسب تسجيل صوتي للشيخ محمد مختار بن محنض رحمه الله.
- توفي العالم ابّابّ 1364 هجرية عن عمر ناهز 40 سنة، ومن بين من تخرج من محظرته من الحفاظ الشخصية العلمية والسياسية ..البارزة محمدالمختار " گاگيه " بن سلمة حفظه الله -
يحدثنا المختار بن حامد عن الشيخ الدّاي حيث يقول: وكان محمد عبد الله بن محمد مختار بن الخراش عالما عابدا مدرسا ذا استقامة وسياسة كيسا ذا رأي ولهذا البيت جودة رأي معروفة وكان مقبلا على شأنه عارفا بأحوال الناس يحفظ القرآن حفظا جيدا أخذه عن ابن عمته محمد عبد الله بن الشارح عن عبد الله بن أحمدٌّو المجلسي عن محمذفال بن بوفر الحاجي عن محمذفال بن متالي.
وأخذ القرآن أيضا عن العالم الفاضل سيد المختار بن والد الألفغي وقرأ عليه كثيرا من النحو وغيره وأخذ عن أحمد بن أچفغ احمد بن الامين اعل وكان عارفا بالفقه والتصوف مشاركا في الطب وغيره وله أنظام في الفقه وغيره أكثر فيها من المواعظ والأدعية وشرح حال أهل الزمن.
تخرج على يديه كثير من الطلبة في القرآن وغيره.
ولقد ظلت هذه المحظرة عملا متوارثا ووظيفة دينية دائمة لأبناء هذه الأسرة
يقول العالم الأستاذ أحمد بكتوب بن المستعين في مقدمة مجموعة مراثي العلامة محمد مختار بن محمد عبد الله بن محنض : وبعد أن حصل – محمد مختار- على تلك المكانة المعرفية التي على عظمها لم تشبع نهمته المعرفية (...) جلس في محظرة والده وبدأ يقرأ عليه ويساعده في التدريس لبعض الطلبة وفي تلك الأيام أتاهم العلامة محمد نافع بن حبيب بن الزائد وأنشأ يقول:
أسنى السلام من المحب التاري
لقيا الحبيب محمد مختار
ولقا أبيه العالم المختار من
صفو المعادن من بني المختار
كل له خلق يذم حلاوة
عسلا مصفى في يد المشتار
فرسا رهان للعلى فكلاهما
للعلم والأضياف قار قاري
يهتز إن حل العويص كمثل ما
يهتز ذو الأوتار بالأوتار.
ويحدثنا عن شيخنا محمد مختار بن محنض أيضا العالم الشريف سيدي محمد بن باباه بن بدي الصعيدي في كلمة كتبها في التعريف به في مقدمة كتابه "جلب النفع" حيث يقول: له مكانة علمية لا نستطيع بهذه السطور أن نحوم حول حماها فمن ذلك درايته الواسعة بمجمل النصوص الشرعية التي تعتبر معرفتها أساس كل معرفة علمية فهو متخصص في هذه النصوص نصا وحفظا وفهما رواية ودراية ومن ذلك تزكية علماء قطره له.
ولما أسن الشيخ محمد عبدالله (الداي ) صار أمر المحظرة إلى ابنيه العالمين الجليلين محمد مختار ومحمذفال بعد أن درس محمذفال أيضا في مختلف المحاظر وحصل على شهادات من شيوخه بأنه أخو علم وحلم وصدق فهم وبدءا في التعاون عليها لكل جانبه منها وبدأ محمذفال في تعميق دراسته على أخيه وشيخه محمد مختار رحمه الله.
توفي الشيخ محمد عبد الله ( الدّاي شروق شمس يوم الإثنين 23 صفر 1420 هجرية بعد أن تطهر ورفع يديه للإحرام في صلاة الصبح
أرّخ له ابنه الشيخ محمد مختار بن محنض على طريقة الفشتالية بقوله:
شكت (1420 ) سنة المختار من حر معضل
بكى (23) صفر منه لفقد المفضل
محمد عبد الله نجل محنضنا
مقيم منار السنة المتبتل
أضاء (93) له عمر سني مبارك
ومات ورا طهر لوسطاه موصل
كانت هذه المحظرة منهل علم عذب ومرتع خلق خصب نهل من بحر علمها الغزير الكثير وأرتع في خصب مرتعها الجم الغفير صدرت عنها مؤلفات منها على سبيل المثال لا الحصر شرح نظم الشهداء للعلامة الولي محمذفال بن متال للعلامة محمد عبد الله (الداي) بن محنض
وجلب النفع في القراءات السبع للعلامة محمد مختار بن محنض
والنجم الزهر في إرشاد أهل الظاهر وشرحه هداية الحائر له أيضا ونفحة الورد على طالعة السعد في رحلة وشرف محمد يندكسعد للعلامة محمذ فال بن محنض
والبدو ر الطالعه بتفسير الواقعه للعلامة محمد عبد الرحمن بن محنض.
توفي الشيخ محمد مختار بن محنض ليلة الجمعة 13 صفر 1428 هجرية
الموافق 2 مارس 2007 ميلادية
أرخ لوفاته على غرار الفشتالية ابنه الشيخ محمد عبدالرحمن
بقوله:
محمد مختار بعام حكت (1428مضى
إلى رحمة المولى العلي المتفضل
تطهّر لما آب ليلة جمعة
بيج (13)صفر أيضا كوالده العلي
"محمد عبد الله نجل محنضنا
(مقيم منار السنة المتبتل
وناهز منه العمر عمر شفعينا)
ملاذ الورى في الحشر أفضل مرسل
وقد عاش ذا عز وفضل ورفعة
يبين دين الله ليس بمؤتل.
أصدرت هذه المحظرة الكثير من الحفاظ والقراء وأنجبت العديد من العلماء والأدباء وما زالت كذلك والحمد لله يقوم بها الآن العالم الجليل العابد الزاهد محمذ فال بن محنض ويساعده ابنا أخيه محمد مختار فرسا رهان العلم والمعرفة: محمد عبد الله(اباه) ومحمد عبد الرحمن ،كما تقوم أخته العالمة السيرية أم الخير بنت محنض بالمساعدة أيضا وخاصة في الجانب النسوي، و كذلك الأختان السيدتان العابدتان فاطمة السالمة و أم السبطين بنتا محنض وكل باقي أفراد الأسرة حفظهم الله وأطال أعمارهم وحقق آمالهم آمين فهم كما قال الشاعر :
هم القوم إن قالو أصابوا وإن دعوا
أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم
وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
حديث العلا عنهم يسير به الركب
وينقله في صفحه الشرق والغرب.
طبع هذه المحظرة في بعض المراحل ـ كغالبية المحاظر الشنقيطية العريقة ـ طابع البدو والارتحال إذ الناس آنذاك يرتادون المرعى و مساقط المطر وذلك ما عبّر عنه العلامة الجليل المختار بن بونه بقوله:
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة
فيها نبين دين الله تبيانا
وفي سنة 1405هـ قطنت محظرة آل محنض مع حيهم حي بني المختار بن يندكسعد حاضرة " أغنچاييت " "وادي الخير " الواقعة عند الكيلومتر 45/44 شمال غربي روصو على طريق انواكشوط ـــ روصو
يقول العلامة الأورع الشيخ محمد مختار بن محنض:
لقد بنى رجال تاشدبيتا
في صفر في عام (تاشد1405) بيتا
ومسجدا لدى أغنچاييتا.
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر .
فخلاصة القول استمرار هذه المحظرة العريقة التي بذلت جهدا كبيرا في إحياء الساحة العلمية وأثرتها بكثير من الكتب الجزيلة المزية منذ عهد الخراش بن محنض المتوفى صدر القرن 14هـ إلى الآن أي ما يربو على مائة سنة.
بقلم: محمد عال ولد أحمد باب ولد الأمين اعل








